موسيقى

مسكود و الجزائر يا العاصمة

يُعتبر مسكود من أبرز فناني موسيقى “الشعبي” الجزائرية، إذ استطاع أن يثبت وجوده
الفني بين مغنين كبار، أمثال عمر الزاهي، وقروابي، وآخرين، بأغنيته الخالدة “الجزائر يا
العاصمة”، التي كانت بمثابة صرخة عميقة ومدوية حول تغير مدينة الجزائر العاصمة
وأحيائها الشعبية والراقية، من أماكن كانت تحفظ فيها التقاليد والعيش “العاصمي”
الجزائري العريق، إلى أحياء تغير فيها كل شيء، وأصبحت صعبة المكوث فيها.

“قولوا لي يا سامعين ريحة البهجة وين؟ قولوا لي يا سامعين أولاد العاصمة وين؟”
وُلد مسكود في حي “الحامة” ببلوزداد، الذي يعد القلب النابض للجزائر العاصمة، سنة

  1. وعاش في هذا الحي أكثر من 35 عاما، قبل أن يرى الجرافات الوحشية تلتهم ما
    تبقى منه بعدما كان يزخر بالحرفيين والمقاهي الشعبية والفنون من شتى الأنواع.

كنيسة “نوتر دام دافريك” التي تقع في أعالي الجزائر العاصمة والمطلة على البحر الأبيض
المتوسط.
كنيسة “نوتر دام دافريك” التي تقع في أعالي الجزائر العاصمة والمطلة على البحر الأبيض
المتوسط. © صورة تابعة لكنيسة الجزائر
وفي أغنيته الشهيرة “الجزائر يا العاصمة”، تحدث مسكود عن “الزحف الريفي” الذي غير
ملامح الجزائر العاصمة وأحياءها، وأدخل تقاليد وممارسات لم تكن معروفة في هذه المدينة
البيضاء المطلة على المتوسط.

وردد في أغنيته: “يا جزاير يا العاصمة، سومة قيمتك عظيمة، حبك في قلبي ديما إلى يوم
الدين. فسدوك لم مالهم قيمة، وكيلهم المتين…. من كل جهة جاك الماشي، زحف الريف
جاب غاشي (الناس)، الحياء والحرم ما بقاشي، قل الإيمان والدين. وين المرمة والشواشي
بخيطانها مدليين؟… قولوا لي يا سامعين ريحة البهجة وين؟ قولوا لي يا سامعين أولاد
العاصمة وين؟”

الكشافة الإسلامية بوابته الأولى نحو الفن

في السادسة عشرة من عمره، حمل آلة الغيتار بعفوية كبيرة، كأنها امرأة عاشقة فرضت
نفسها عليه. فبدأ يغني ويتغنى بالأغاني الشعبية، مقلدا فنانين قدماء كبار، على غرار الحاج
محمد العنقى، وعمر الزاهي، والباجي، وآخرين. وكان يملك صوتا قويا وعذبا، كما كان
يحب أيضا الأغاني الفرنسية، ويستمع كثيرا إلى مغنين فرنسيين كبار، أمثال شارل
أزنافور، وجاك بريل، وريجياني، وجورج موستاكي.

شارع من شوارع حي القثبة بالجزائر العاصمة
شارع من شوارع حي القثبة بالجزائر العاصمة © فرانس24
وُلد في عائلة فقيرة، مكونة من عدة أفراد. توجب عليه أن يباشر الحياة العملية وهو صغير،
وأن يكون سندا لإخوته الخمسة. فصارع الحياة من أجل البقاء، ولكي يكبر في وقت كانت
الحرب الجزائرية تدوي في جميع أنحاء البلاد، وفي وقت كان من الصعب العيش في مدينة
الجزائر، التي كانت تأوي غالبية من الفرنسيين و”الأقدام السوداء”.

وكانت الكشافة الإسلامية بوابته الأولى نحو الفن. فتعلم فن الإلقاء والغناء عبر تردده
الأناشيد الوطنية الجزائرية التي كان يغنيها الشبان آنذاك.

وإضافة إلى الفن، كان عليه أن يجد عملا لكي يكون سندا اجتماعيا لعائلته. فدرس المحاسبة
وعمل محاسبا في أسبوعية “ألجيري أكتواليتي”. وهي مفارقة ساخرة لرجل لم يعرف يوما
كيف يحسب المال لنفسه، كما علق أحد الصحافيين الجزائريين.

معاناة صعبة مع المرض
وفي سنة 2016، أصيب بجلطة دماغية، ثم بُترت إحدى ساقيه، وفقد استخدام قدميه، ثم يده
اليمنى التي كانت تمسك الريشة وتبعث الحياة في أوتار آلة “المندول”.

وعلى الرغم من كل هذه المعاناة الجسدية، بقي عبد المجيد مسكود متماسكا وقويا، وأحيا
بعض الحفلات والسهرات الغنائية، إلا أن صحته تدهورت في السنوات القليلة الأخيرة،
وأصبحت إطلالاته الفنية والغنائية قليلة.

رحل مسكود، تاركا الجزائر العاصمة التي غنى لها كثيرا في حزن كبير، بينما تواصل
أحياؤها الشعبية التغير من جيل إلى آخر، ومن سيئ إلى أسوأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *