فوكيس

الإبداع في مواجهة الخوارزميات:

إيرادات قياسية.. وخطر وجودي يلوح في الأفق…
“السوق الجزائرية قادرة على تحويل الفن إلى رأسمال ثقافي واقتصادي حقيقي…”
بوبكر سكيني

قد يبدو المشهد العالمي للإبداع مشرقاً حين نقرأ أن التحصيلات العالمية لحقوق المؤلف بلغت مستوى
قياسياً قدره 13.97 مليار يورو عام 2024، وفقاً لتقرير الاتحاد الدولي لجمعيات المؤلفين والملحنين
(CISAC). رقمٌ يعكس تعافي الصناعات الثقافية والفنية بعد سنوات الاضطراب التي خلّفتها الجائحة.
غير أن هذا الرقم نفسه الذي يُفترض أن يُطمئن المبدعين، جاء محمّلاً بجرس إنذار صريح: الذكاء
الاصطناعي التوليدي يهدد الأساس الإنساني للإبداع…
في قراءة متأنية للتقرير نلمس مفارقة زمننا؛ فبينما ترتفع الإيرادات إلى ذروتها، تتراجع الطمأنينة في
صفوف المبدعين. فالقطاع الرقمي، الذي أصبح اليوم المحرّك الأول للنمو، تجاوزت إيراداته 5.14
مليارات يورو بزيادة تفوق %11، ليشكل نحو %37 من إجمالي التحصيلات. وهو إنجاز يؤكد التحول
البنيوي العميق نحو اقتصاد البثّ والمنصات، حيث أصبحت خدمات مثل Spotify وNetflix العمود
الفقري لتعويض المؤلفين والملحنين، في وقت بدأت فيه العروض الحية والمهرجانات تستعيد عافيتها
بنسبة نمو بلغت %9.6. حتى التلفزيون والإذاعة، رغم فقدانهما الريادة، سجلا نمواً طفيفاً (%0.8) يعكس
قدرة بعض الأسواق على التكيّف مع أنماط الاستهلاك الجديدة.
لكن وراء هذه الأرقام المتصاعدة يتشكل ظلّ ثقيل باسم الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI)؛ فالتقرير
يصفه بوضوح بأنه “تهديد وجودي” لا مجرد منافس تكنولوجي. هذه التقنية التي تعلمت “ابتلاع”
النصوص والصور والألحان والأصوات لتوليد محتوى جديد، أصبحت في غياب الأطر القانونية تستغل
أعمال البشر دون إذنٍ أو مقابلٍ.
وحسب دراسة أنجزتها مؤسسةPMP Strategy لصالح الاتحاد، من المتوقع أن يقفز حجم سوق الذكاء
الاصطناعي الإبداعي من3 مليارات يورو عام 2024 إلى64 ملياراً بحلول 2028. غير أن هذا النمو
الخارق سيقابله نزيف في عائدات المبدعين: خسارة بنسبة %24 في الموسيقى (أي نحو4 مليارات
يورو) و%21 في القطاع السمعي البصري (نحو 4.5 مليارات يورو). ومعها يخسر العالم شيئاً من
تفرّده الإنساني.
وفي هذا السياق يقول “بيورن أولفايوس” (رئيس الاتحاد وعضو فرقة “آبا” سابقاً) في مقدمة التقرير:
“الابتكار لا يجب أن يكون على حساب الإبداع الإنساني”. تصريحٌ يلخّص جوهر المعركة القادمة: ليست
بين الفنان والتقنية، بل بين الحق في الإبداع والحق في الاستغلال التكنولوجي. ما يطالب به الاتحاد هو
ببساطة توازن جديد: تشريعات تُقرّ بالملكية الفكرية في زمن الخوارزميات، وتفرض الترخيص المسبق،
والشفافية في مصادر التدريب، والتعويض العادل للمؤلفين.
وبينما يتجاذب العالم هذا النقاش تبرز الجزائر كنقطة ضوء لافتة في القارة الإفريقية. فقد أشار التقرير إلى
أن القطاع الدرامي الجزائري – تلفزيونياً وإذاعياً – حقق قفزة بنسبة 27.5% في تحصيلات حقوق المؤلف
عام 2024، وفق بيانات المكتب الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (ONDA). وهي زيادة
تُترجم ازدهاراً ملحوظاً في الإنتاج المحلي، وتعكس قدرة السوق الجزائرية على تحويل الفن إلى رأسمال
ثقافي واقتصادي حقيقي، في وقت لا تزال فيه معظم الدول الإفريقية تكافح لاستعادة مستوياتها السابقة
للجائحة.

ولعل في هذا المثال ما يؤكد أن الرهان الثقافي ليس رقمياً فقط، بل سياسياً وتشريعياً أيضاً. فحين تتوافر
بيئة تحمي المؤلف وتقدّر العمل الإبداعي، يمكن للإبداع المحلي أن ينافس ويزدهر حتى في الأسواق
الصاعدة. أما حين يُترك المبدع وحيداً أمام الخوارزميات، يُصبح الإبداع نفسه مهدداً بأن يتحول إلى مادة
خام مجانية لصناعة بلا روح…
إن تقرير الاتحاد الدولي لجمعيات المؤلفين والملحنين (CISAC) لسنة 2025 ليس مجرد وثيقة مالية، بل
بيان ثقافي عالمي يدعو إلى التفكير في مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة. فالإبداع الإنساني – كما يقول
التقرير – هو آخر معقل للمعنى في عالمٍ تميل فيه الخوارزميات إلى حساب كل شيء… إلا القيمة الإنسانية
للفكرة…
وفي ضوء هذه التحوّلات تبدو الجزائر مرة أخرى شاهداً على أن الإبداع يمكن أن يكون طريقاً للسيادة
الثقافية والاقتصادية إذا ما أُحسن صونه ودُعم مؤسسياً. وبين الإيرادات القياسية والمخاطر الوجودية،
يبقى السؤال مفتوحاً: هل سننجح في جعل التكنولوجيا حليفة للخيال، أم سنتركها تكتب قصتنا بدلاً منّا؟

بوبكر سكيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *