محمد بوعماري، طفل الصورة والاستقلال
ما زلت أشعر أحيانًا أنني سجين تلك الأفلام التي وُلدت في سبعينيات القرن الماضي، والتي حملتها جيل من السينمائيين الجزائريين الشباب الذين حلموا بثورة على الشاشة. هؤلاء أبناء الاستقلال، الذين تغذوا من الحماس المفرط لعقود التحرير الأولى، اخترعوا نحوًا سينمائيًا جديدًا. لم يكونوا يخدعون. كانوا يصورون بصدق، بإرادة شرسة لإظهار الواقع كما يرونه ذاتيًا، نعم، لكنه معيش بعمق. كاميراتهم، التي غالبًا ما كانت مفرطة التعبير، كانت تُضفي طابعًا ذاتيًا على الخطاب، لكن تلك كانت جماليتهم: نظرة متجسدة، ملتزمة، حرة.
من بينهم، لا يزال اسم يرن بقوة: محمد بوعماري. كنت محظوظًا، وأنا أصغر سنًا، أن نسجت صداقة جميلة مع هذا الأخ الأكبر في عالم السينما. محمد هو إعصار. يضحك، يلوّح، يتحدث بلا نهاية. طاحونة كلام، دائم الحركة، دائم الاشتعال. صوته قوي، وحكاياته تتدفق، وسرعان ما تنزلق المحادثة نحو السينما — حبه الأول، شغفه العميق.
بدأ كل شيء في ليون، في القاعات المظلمة حيث قرر أن يصبح صانع صور. بفضل منحة من الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا (UNEF)، اكتشف مهن التصوير، وتعلم كيف يصقل اللقطات، ويبني السرد. لكن الجزائر نادته. البلاد تغلي، تناقش، تبتكر. وُلد قبل أربع سنوات من أحداث مايو 1945، أراد بوعماري أن يشارك في حفلة إعادة البناء. عاد في عام 1964، مدفوعًا بحماس أولئك الذين يؤمنون بمستقبل يجب بناؤه. لم يعد فارغ اليدين، بل بكاميرا صغيرة من نوع سوبر 8، وإيمان عظيم بقوة الصورة.
لم يتعلم في المدارس الكبرى، بل في الشارع، في الواقع. يقول ضاحكًا: “لم أتخرج من معهد الدراسات السينمائية العليا في باريس (IDHEC) أو من لودز (بولندا)، بل من مدرسة الشارع”. يصور، يجرب، يتعلم ذاتيًا، كـ”سارق صور”. يلتقط الجمال حيث يختبئ، في الحركات البسيطة، الوجوه المتعبة، الصمت البليغ. يريد أن يعيش تلك الجنون في السنوات الأولى، حيث بدا كل شيء ممكنًا، حيث كانت النقاشات تتدفق، حيث كانت اليوتوبيا لا تزال أفقًا.
الجزء الاول: فطومة، الرفيقة والظل المضيء
من المستحيل بل يكاد يكون ممنوعًا الحديث عن محمد بوعماري دون ذكر من رافقته في نضاله، في أفلامه، في أحلامه: فطومة أوسليحة. منذ فيلم “الشاربونييه”، بقيت إلى جانبه، تناديه بمودة “بوعماري”، كما يُنادى الحبيب، رفيق الدرب، الأخ الروحي. ممثلة، زوجة، ملهمة، كانت حاضرة في كل صورة، كل ذكرى، كل ضحكة.
بودجيمة كاريش، المدير السابق للسينماتيك الجزائرية والصديق الوفي، يقولها بتأثر: «من المستحيل، بل من المحرم تقريبًا، محاولة سرد حياة وأعمال السينمائي محمد بوعماري دون الحديث عن زوجته، ممثلته، رفيقته، فطومة أوسليحة». كتابه “إرث الشاربونييه” هو تحية نابضة بالحياة، مليء بالصور التي تظهر فيها وحدها أو محاطة بشخصيات مرموقة مثل علولة أو واحد. السينماتيك، ذلك الفضاء للكلمة والنقاش، كان ملاذهما.
وفي كتاب “التربية الجزائرية”، تشهد وسيلة تمزالي: «كانت السينماتيك بمثابة نسمة من الأوكسجين لكثير من الناس، المكان الأنسب لممارسة الكلام». هناك، كان بوعماري يتحدث، ينشط النقاشات، يضفي روح الدعابة على الحوارات التي كانت أحيانًا ثقيلة. كان يلتقي هناك بعمر غاندا، شاهين، غودار، سكولا، أبو سيف، روسي… وغيرهم كثير. كان في عنصره، يدور، يتحدث، يضحك.
الجزء الثاني: الملاكم في الصور
تحت ضحكاته الصاخبة، كانت تختبئ مسحة من الحزن الخفي. كان بوعماري يخوض معارك لصنع أفلامه، غالبًا وحيدًا في وجه الجميع، كدون كيشوت يواجه طواحين الهواء. وكان يقولها بنفسه: «كل أفلامي كانت معارك حقيقية. لطالما أحببت الملاكمة، وها أنا أرتدي قفازات الملاكم لأتناول قضايا المجتمع.»
من “العقبة” (1964) إلى “الخروف”، مرورًا بـ”نساء في الجزائر”، “الخطوة الأولى”، “الرفض”، “شارل دو فوكو”، لم يتوقف عن تصوير الهامش، المنسيين، المقاومين.
كان يتذكر بحنان عروض فيلم “الشاربونييه” في القرى الاشتراكية، الثكنات، الجامعات. كانت حافلات السينما تجوب البلاد، وأحيانًا كان يحضر العروض ما يصل إلى 10 آلاف شخص. أحب تلك الفترة المضيئة، المليئة باللقاءات مع الفلاحين، العمال، المثقفين. لكن عقد التسعينيات الأسود ألقى بظلاله القاتمة. فرض عليه المنفى، مؤلمًا، ظالمًا. هو الذي عاد إلى الجزائر ليبقى فيها، اضطر إلى الرحيل.
رأيته مجددًا في تونس عام 1993. كان يريد إخراج “شهرزاد من القاع”، نص يجمع بين أنتيغون، شهرزاد، ديهيا، فاطمة نسومر، ولويز ميشيل. وكان مارسيل مارشال، مدير مسرح “لا كريي”، قد وافق على المشروع. لكن النص لم يُعرض أبدًا. وفي عام 2006، قضى عليه توقف قلبي مفاجئ. بقي فيلمه الأخير “الخروف” غير مكتمل.
الجزء الثالث: السيناريو الأخير
روى لي محمد بوعماري لقاءه مع إيريك كانتونا في أحد المقاهي. كان كانتونا متحمسًا لسيناريو فيلم “الخروف”، وأراد أن يشارك فيه كممثل. وفي تصريح لجريدة “الوطن”، قال كانتونا: «أجد الفيلم صادقًا. ليس مؤيدًا للجزائر ولا لفرنسا. هذا الفيلم يساعدنا على فهم أفضل لتاريخ العلاقة بين الجزائر وفرنسا. لقد منحني بوعماري دورًا جميلًا.»
كان طاقم التمثيل طموحًا: كانتونا، فطومة أوسليحة، دانييل بريفو، فوضيل، سعيد التغماوي، عزيز دقة… أراد بوعماري أن يكرّم المحكوم عليهم بالإعدام من الجزائريين والفرنسيين الذين ناضلوا من أجل جزائر حرة. «الخروف يعني المخبر»، قالها. كانت استعارة قوية، صرخة ضد الخيانة، وتحية للمقاومين.
الجزء الرابع: الأصدقاء، الضحك، وما بعد الحياة
كان محمد يضحك دائمًا، حتى في وجه الألم. كان يمزح، يتقدم، يصطدم بجدار غير مرئي. يتحدث عن أصدقائه: عبدو، كاريش، علواش، بيلوفا، مفتي… جميعهم سينمائيون، جميعهم رفقاء درب. عبدو، الناقد الكبير، المؤسس المشارك لمجلة “الشاشتان” مع موني برّاح، كان أخاه الروحي. كانوا يتشاجرون، يحبون بعضهم، يلتقون في الآخرة، يضحكون من جديد، لكن يتشاجرون أقل.
يتذكر عبدو: «ذات يوم، اقترح عليّ بوبو أن نصعد إلى مقر الـONCIC لحضور اختبار أداء فيلم “الشاربونييه”. في الحقيقة، كان يريد أن يجعل فطومة تقوم بتجربة أداء. وفي نهاية اليوم، فهمت أن فطومة ستسلبنا صراخات بوبو، ذلك العرض بين رابليه وأورسون ويلز في نزوله وضربته بالشوكة.»
كان بوعماري عفويًا، فوضويًا، كريمًا، ماكرًا، لكنه نادر النزاهة. في نظام آخر، كان ليصنع ثلاثة أضعاف عدد أفلامه. كانت التزاماته تُقرأ على الشاشة. يذكر عبدو مشهدًا من فيلم “الإرث”: الإمام يسرق التبن المستخدم لصناعة الطوب، بينما المصلون يصلّون. صورة أيقونية، فعل سينمائي، تحويل للمواد — بالمعنى الحرفي والمجازي.
كانوا جميعًا يسيرون، في مكان آخر: بلوفة، موني، عبدو الغاضب، بوعماري الضاحك. نظرة أحدهم، مشتعلة، تلتقي بنظرة الآخر، خفيفة. ثم، كما هو الحال دائمًا، ينتهي بهم الأمر إلى الابتسام. يدًا بيد، في ضوء ذكرى لا تنطفئ أبدًا
احمد شنيقي
